محمد جواد مغنية
416
في ظلال نهج البلاغة
تنتهي اليه من رأي . وبعد انصرافه رأيتني أفكر فيما قال من غير قصد ، وانتهيت إلى ما يلي : من الواقع الثابت باتفاق المؤرخين وأرباب السير أن أبا ذر كان يتشيع لعلي أمير المؤمنين ، ويجتهد في الدعوة اليه سرا وجهرا ، وانه نفي إلى دمشق ، وان الجماهير أقبلت عليه أيما إقبال ، وترددت أصداء كلماته وعظاته في جميع بلاد الشام ، وكان يزداد عدد الذين يحضرون مجلسه يوما بعد يوم ، وكان يغرس في نفوسهم الثورة على الطغاة ، وحبّ آل الرسول منار العلم والعدل حتى أحس معاوية ان الأرض تميد من تحته . وكان أهل جبل عامل يقصدون دمشق في أكثر أيامهم ، يبيعون فيها ما عندهم من ناتج ، ويشترون منها حاجاتهم ، لقربها من جبلهم ، ولأنها مركز الحكم وعاصمة الإقليم ، وكان خبر أبي ذر قد انتشر في كل ناحية من نواحي الشام ، وتقصده الناس زرافات ووحدانا : فمن الجائز القريب جدا أن جماعة من العامليين الذين كانوا يكثرون التردد على دمشق قد اجتمعوا اليه ، واستمعوا منه ، وآمنوا بكلماته وعظاته ، وبشروا بها بعد أن عادوا إلى بلادهم ، فانتشر فيها التشيع عن هذا الطريق . وإذن فليس من الضروري - في إسناد التشيع بجبل عامل إلى أبي ذر - أن يذهب هو بنفسه إلى هذا الجبل ، فإن أكثر الرسالات والأفكار تنتشر عن طريق النقباء والسفراء ، كما انتشر الاسلام وغير الاسلام . ثم تفرع عن النواة التي غرسها أبو ذر ، أو عن شجرتها بطريق أو بآخر - اثنا عشر فرعا أي إماما . وليس ذلك من قصدنا في هذا المقام ، وانما الغرض الأول والأخير هو أن نثبت إمكان نسبة التشيع من حيث هو في جبل عامل إلى هذا الصحابي العظيم .